عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
179
اللباب في علوم الكتاب
كان مستحسنا ، فما الفائدة في ترجيح هذا النظم ؟ قلنا : إنما قدمت قصة الأمر بالذبح على ذلك القتل ؛ لأنه لو عمل على عكسه لكانت قصة واحدة ، ولو كانت قصة واحدة لذهب الغرض من تثنية التفريع . فصل في نسبة القتل إلى جميعهم « فَادَّارَأْتُمْ فِيها » فعل وفاعل ، والفاء للسببية ؛ لأن التّدارؤ كان مسببا عن القتل ، ونسب القتل إلى الجميع ، وإن لم يصدر إلا من واحد أو اثنين كما قيل ؛ لأنه وجد فيهم وهو مجاز شائع . وأصل « ادّارأتم » : تدارأتم تفاعلتم من الدّرء هو الدّفع ، فاجتمعت « التاء » مع « الدال » وهي مقاربتها ، فأريد الإدغام فقلبت التاء دالا ، وسكنت لأجل الإدغام ، ولا يمكن الابتداء بساكن ، فاجتلبت همزة الوصل ليبتدأ بها فبقي « ادارأتم » ، والأصل اددارأتم فأدغم ، وهذا مطرد في كل فعل على « تفاعل » أو « تفعّل » فاؤه دال نحو : « تداين وادّاين ، وتديّن وادّين » أو طاء ، أو ظاء ، أو صادا ، أو ضادا نحو : « تطاير واطّاير » وتطير واطّير [ وتظاهر واظّاهر ، وتطهر واطّهّر ، والمصدر على التفاعل أو التفعّل نحو : تدارؤ وتطهّر ] « 1 » نظرا إلى الأصل . وهذا أصل نافع في جميع الأبواب . معنى « ادارأتم » : اختلفتم واختصمتم في شأنها . وقيل : [ تدافعتم ] « 2 » أي كل واحد ينفي القتل عن نفسه ويضيفه إلى غيره . والكناية في قوله : « فيها » للنفس . وقال القفال : ويحتمل إلى القتلة ؛ لأن قوله : « قتلتم » يدل على المصدر . قوله : « وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ » اللّه رفع بالابتداء و « مخرج » خبره ، و « ما » موصولة منصوبة المحل باسم الفاعل . فإن قيل : اسم الفاعل لا يعمل بمعنى الماضي إلا محلّى بالألف واللام . فالجواب : أن هذه حكاية حال ماضية ، واسم الفاعل فيها غير ماض وهذا كقوله تعالى : وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ [ الكهف : 18 ] . والكسائي يعمله مطلقا ، ويستدل بهذا ونحوه . و « ما » يجوز أن تكون موصولة اسمية ، فلا بد من عائد ، تقديره : مخرج الذي كنتم تكتمونه ، ويجوز أن تكون مصدرية ، والمصدر واقع موقع المفعول به ، أي : مخرج مكتومكم وهذه الجملة لا محلّ لها من الإعراب ؛ لأنها معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه وهما : « فادّارأتم » وقوله : « فَقُلْنا : اضْرِبُوهُ » قاله الزمخشري .
--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) في ب : تدارأتم .